اللاعنف كوسيلة للتغيير
الجزء الأول
النزاعات قديمة قدم الزمان. فمنذ أن خلق الله آدم عليه السلام لم تخلُ الساحة من التصادم والتنازع اللذين اتخذا أشكالا مختلفة، ويقف التاريخ شاهدا على مر حقبه على تجاذب بين مختلف القوى وتدافع بين الحق والباطل او بين طرفين يعتبر كل منهما نفسه على حق، وهذه الصراعات يدوّنها لنا التاريخ وتسجلها لنا الشهادات، التي يغلب عليها التركيز على الفترات الدامية منه، بحيث علق بالذاكرة الجماعية نماذج بعينها دون أخرى، نظرا لما تتسم به هذه النماذج من أثر عنيف تركه هذا الصراع أو ذاك.
وكما أن الصراع ضارب في القدم، فكذلك عمليات ومحاولات التغيير قديمة ومرت بمراحل عدة وتنوعت أشكالها، وهنا أيضا سجل التاريخ البشري نماذج من ممارسات التغيير التي تميزت بالتدخل العنيف لإنهاء وضع قائم واستبداله بآخر يعتقد صاحبه أنه أكثر عدلا، سواء كان ذلك للحصول على حقوق مغتصبة او للتعبير عن رأي مقموع أو للدفاع عن فئة منزوعة الحقوق أو للإنقلاب على وضع يراه المتمردون أنه متسلط. وإذا كان القرآن الكريم حدثنا عن صراع قابيل وهابيل وصراع فرعون وموسى وأمثلة عديدة أخرى للاعتبار واستخلاص الدروس، فإن كتب التاريخ هي أيضا تزخر بأمثلة من هذا القبيل، غير أن هذه الذاكرة المكتوبة أولت مساحة واسعة للصراعات التي غلب عليها الطابع العنيف ولم تنقل لنا إلا النزر القليل عن النماذج الأخرى التي اتسمت بنهج يفضل اللجوء إلى سبل غير عنيفة للوصول إلى حالة التسوية.
لا شك أن دراسة ظاهرة التغيير وآلياته وعلاقته بالعنف كأداة لتحقيق مراميه حظيت بكثير من الاهتمامات على مر العصور ودبجت لها الدراسات والمقالات واستدعت تنظيم المؤتمرات والاجتماعات، غير أن سبر أغوار ظاهرة العنف تبقى شرطا أساسيا وضرورة ملحة تسبق كل عملية تغيير.
ومن المهم أن نعي أن وجود الصراع في المجتمع وفي القضايا السياسية هو أمر حتمي. وهذا الصراع الذي اتخذ أشكالا متنوعة كان لدى البعض بدافع تغيير أوضاع اعتبروها ظالمة يتحتم وضع حد لها، وقد استقر لدى المراقبين المختصين في مجال التغيير، أن العنف داخل المجتمع والعنف السياسي بكافة أشكاله سواء كان حربا او إرهابا او دكتاتورية او أصناف القمع المختلفة من أي جهة كانت واغتصاب السلطة او ممارسة القتل الجماعي هو بحد ذاته مشكلة خطيرة. فجميع المشاريع المطروحة لحل مشكلة العنف وما ينتج عنه باءت بالفشل، وبالتالي تبقى مسألة العنف مشكلة بانتظار الحل وذلك لأن الحلول المطروحة قائمة على أساس غياب فهم كافي لطبيعة العنف، إذ أن فشل فهم المشكلة يجعل من حلها أمرا صعبا او حتى مستحيلا.
كما علينا أن نعرف لماذا ساد الاعتقاد منذ فجر التاريخ واعتبر الإنسان والجماعات والدول أن العنف أمر ضروري سواء كانت المبررات جيدة او سيئة. وبعد الوقوف عند هذه الإشكالية يمكن حينئذ مناقشة كيف أن التغيير الجذري يمكن أن يتحقق دون اللجوء إلى العنف، مع ضرورة، في مرحلة أولى، تقليص الاعتماد على الخيار العسكري أو وسائل العنف الأخرى.
وتجدر الإشارة في هذا الباب أن بعض الخلافات تسوّى بالاعتماد على أساليب سلمية مثل المفاوضات والحوار والتراضي، وهذه الأساليب تتطلب أن يقدم طرفا النزاع تنازلات من أجل الوصول إلى حل، غير أن استخدام مثل هذه الأساليب يكون عادة لما تكون القضايا محل النزاع غير أساسية، بل وحتى في هذه الحالات فإن الحل يتأثر بميزان قوى أطراف النزاع أكثر مما يتأثر بتقييم مشترك لحل عادل. والأمر خلاف ذلك لمّا يتعلق بالقضايا الأساسية، التي تسمى بالنزاعات الحادة بحيث تكون الحلول التي تتطلب تنازلات غير مناسبة لها إذ نجد أن أحد أطراف الصراع على الأقل يرى أنه من الضرورة بمكان شن حرب على خصومه، ومن ثم يتعذر في هذه الحالة تخفيض الاعتماد على الحروب وأنواع العنف الأخرى بشكل كبير، الأمر الذي يحتم ضرورة فهم طبيعة الدور الذي يلعبه العنف في هذا الصدد.
ولا بد من الإشارة إلى حقائق أثبتها التاريخ وأقرتها الأحداث اللاحقة، ومفادها تعذر التوصل إلى وضعية تسوية دائمة تنهي النزاع بشكل كامل في حالة خروج الطرف المستبد من مرتكبي جرائم القتل الجماعي دون تحديد من المسؤول عن تلك الجرائم، وتبيض صفحاته الدامية، لأن ذلك يبقي الوضع قابلا للانفجار في أي وقت إذا لم تعالج أسباب النزاع وتبقى بذور الأزمة كامنة، بحيث يظل الطرف الجاني يتمتع بكامل جاهزيته لمعاودة الكرة، وقد يضاعف هذا الوضع من المشكلة التي تدفع أطرافا أخرى إلى اقتفاء خطى هؤلاء مع القناعة أنهم مهما يرتكبونه في المستقبل لن يسألوا عنه بل وقد يكرمون مقابل مجرد تسوية صورية على شاكلة ما حدث في الجزائر - "المصالحة الوطنية" - أو نماذج أخرى شهدتها أمريكا اللاتينية ( التشيلي على سبيل المثال التي رغم محاولات دفن ملفات سنوات الجمر بشتى الطرق، إلا وطفت من جديد، ولو بعد عقود من الزمان، لتذكر العالم بمجازر جنرالات الانقلاب).
انطلاقا مما سلف، فلا مناص من أن يكون هذا البديل العملي لحل النزاع ( النضال باستخدام أسلوب اللاعنف) قادرا على معالجة المشكلات المزمنة مثل الصراع ضد الدكتاتوريات ومقاومة الاحتلال والعدوان الأجنبي والانقلابات الداخلية والقمع والقتل ومحاولات القتل الجماعي والترحيل والتهجير الجماعي، والتي كان ُيعتقد أنه لا يمكن حلها دون اللجوء إلى العنف.
يكمن الدليل على قوة هذا البديل في حقيقة أن مصدر القوة ( حتى بالنسبة لأعتى الدكتاتوريات) ينبع أساسا من مصادر القوة الموجودة في المجتمع والتي بدورها تعتمد على التعاون بين المؤسسات والشعب. كما أنه لأدل على فعالية هذا النهج اللاعنيف ما تقوم به الأنظمة الشمولية من محاولات لحرفه عن مساره ودفعه اتجاه العنف، أي جذبه إلى حلبة تروق هذه الأنظمة، ويكون ذلك إما عبر القيام باستفزازات متكررة أو دس عناصر مشبوهة تأتمر بأوامرها في صفوف الخصم، تقوم بأعمال عنف من قبيل استعمال الأسلحة النارية او اعتداءات على قوى الأمن او ممتلكات المواطنين، وتقوم هذه العناصر المدسوسة بتلك الأعمال مع الإيحاء أن القائمين بها هم من المحتجين على السلطة، مما يفتح الباب أمام النظام الدكتاتوري ومنحه الذريعة والشرعية للتدخل " لمكافحة الشغب ومحاربة الفلتان الأمني" ( وهي العبارات المألوفة في ديباجة الأنظمة القمعية عند كل تدخل لفض الاحتجاجات الشعبية وكسر شوكة النضال اللاعنيف)، فتُخرِج العمل اللاعنيف عن سكته، وتجر أصحابه إلى حلبة العنف المضاد. وهناك نماذج عدة من هذا القبيل نقتصر في هذا السياق على ما شهدته جنوب إفريقيا من دس متطرفين عنصريين عناصرهم وسط مناضلي المؤتمر الوطني الإفريقي، واستخدام "الاف بي أي" عناصره وسط النقابات العملية وحركات الحقوق المدنية في الولايات المتحدة ( لوثر كنغ)، ونفس الشيء بالنسبة للدول العربية لاسيما عمليات الاختراق التي قامت بها مصالح الأمن العسكري في الجزائر.
وضمن الأسباب التي كرست الاعتقاد بضرورة اللجوء إلى العنف سبيلا للتغيير هو أن العنف يؤدي إلى تحقيق أهدافه بسرعة فيما اللاعنف يأخذ وقتا أطول، وأن النضال باستخدام أساليب اللاعنف يعبر عن الضعف، بينما المتفحص الرصين يدرك ما للنضال اللاعنيف من فعالية كبيرة قادرة على شل وتفكيك الأنظمة القمعية، كما أن هناك اعتقاد منتشر يقول أن النضال للاعنيف ينجح فقط إذا استخدم في النضال ضد الأنظمة الديموقراطية والخصوم الذين يؤمنون بحقوق الإنسان. غير أن الدراسة المتأنية للموضوع تظهر أنه إن صح هذا التبرير في جزء منه لا يصلح بالمطلق، لأن فشل المسار برمته غالبا ما يعود لأسباب ذاتية ومفاهمية وتنظيمية. ويوجد من يتذرع بوجود فرق بين الثورات السلمية التي جرت في بعض دول أوروبا الشرقية سابقا مثل جورجيا ورومانيا، إذ لقي القائمون بها الترحيب والتشجيع ( بل ومعظم هذه الثورات اندلعت بإيحاء وتنظيم وتمويل قوى دولية نافدة) مما حقق نجاحها دون أن تتعرض الجماهير إلى مجازر محدقة، عكس ما تشهده ساحات عالمنا العربي الإسلامي التي لن تتورع فيه الأنظمة إلى استخدام أفتك الأسلحة ضد الجماهير المنتفضة، هذا بالإضافة إلى تواطؤ المجتمع الدولي الرسمي الذي قد يفضل التعامل مع " شيطان" يعرفه ويتعامل معه ويبرم معه الصفقات المربحة بدل التعامل مع " ملك" لا يعرفه، حتى وإن كان منتخبا وحاصلا على تفويض شعبي صريح، فيخشى منه على مصالحه التي قد تتضرر. فلا شك أن هذه الذريعة فيها كثير من الصواب، لكنها لا تكفي لتبرير الفشل الذي لحق بالتجارب في عالمنا العربي، لأنه مهما كانت ايجابية مساعدة طرف ثالث، يبقى أن أي عمل من هذا القبيل وبهذه الأهمية لا يجب أن يخضع او أن يعتمد في نجاحه على قوى غير قواه هو، و إلا أصبح رهينة لها ويأتمر بأوامرها.
وبعد هذا العرض التوصيفي، هل يمكننا الجزم بأن اللاعنف يستطيع أن يحل محل العنف كأسلوب لمعالجة الأزمات الحادة؟ الجواب يختلف من طرف إلى آخر ويتفاوت التقدير حسب نظرة كل طرف للمشكلة بناء على عناصر متعددة، لكن لب الجواب يعتمد في المقام الأول على درجة فهمنا لهذا الأسلوب ودرجة الحكم على قدرة أسلوب اللاعنف في أن يكون بديلا فاعلا للعنف في حل الأزمات الحادة. ومن المعلوم أن العنف في حد ذاته عادة ما يولد أنظمة سياسية مركزية تمارس القمع بينما يولد اللاعنف أنظمة سياسية أقل مركزية وأكثر شعبية، إلى جانب أنه عادة ما تستخدم الأنظمة المستبدة القدرات العسكرية لقمع الشعب بينما تستخدم الجماهير المحتجة أسلوب اللاعنف من أجل الحصول على الحريات والدفاع عنها ومن أجل مقاومة أنظمة القمع المركزية.
إن تطوير حل مرض لمشكلة العنف ومعرفة التطور السياسي المستقبلي للنضال باستخدام أساليب اللاعنف يتطلبان معرفة الواقع ومعرفة الدور المستقبلي الذي يمكن أن يلعبه أسلوب اللاعنف خاصة في معالجة الأزمات الحادة التي ترى غالبية الجماهير والحكومات أن الحل العسكري وأشكال العنف الأخرى هي الأسلوب الوحيد لحلها.
وهذه الجهود لاستخدام وسائل اللاعنف تتطلب مواجهة الظواهر المألوفة لدى المجتمعات الحديثة ومواجهة القوى الوطنية والدولية ومواجهة مركزية السلطة وعسكرة العلاقة السياسية بين الدول وسيطرة الطرق التقليدية لحل المشاكل.
ويعتمد مدى نجاحنا في استبدال أشكال العنف بأشكال اللاعنف وبالتالي تقليص الاعتماد على الحلول العسكرية بشكل كبير على مدى تطويرنا لبدائل فاعلة من أساليب اللاعنف لحل الأزمات.
وسنتطرق في حلقات قادمة إلى تحليل الأسباب التي تجعل الأنظمة – المستبدة منها على الخصوص – تسيطر على الشعوب وتستخفها حتى لا يجرأ أحد على الخوض في عملية التغيير بينما قد يكون الكل في ركن بيته متيقن بتعفن النظام وتمني التغيير. وهذا يدفعنا حتما إلى مناقشة أمر مصيري في أي عملية تغيير جادة وهو ضرورة اعتماد خطة إستراتيجية مبنية على دراسة مستفيضة و ترسم خطوات العملية.
Comments